(نَانِنْ أُمَّاه)
الساعة 05:05 م


هنا في جزيرة جيجو كوريا الجنوبية وفي منتصف ليلة من ليالي العمل الشاق ذهبت أتلفت في الحي بحثا عن ماكينة صرافة لإرسال جهد العمال اليمنيين الذين يعملون معي بنفس الشركة إلى حساباتهم البنكية تفاجئت أثناء عودتي بمراهقة كورية تتحدث إلى أمها عن أن خروجها في منتصف الليل لأخذها من حديقة الحي من بين رفاق المدرسة شرهي التدخين كان تصرف خاطئ لتصرخ الأم : نان أماه.
(أنا أم) هذه العبارة لا تزال تحوم في رأسي كغيمة عاصفة تحوم أكثر حتى من معلومات مشاريع الديكور التي نقوم بها. 
عبارة أعادتني إلى زمني قبل أن تتأطرني الكتابة أيام كان لا مجال لي فيها بأن أبقى في الشارع بعد غروب الشمس تلك الأيام التي كان ربما أنمو بها لأصبح أي شيء آخر عدى كاتب في بلاد تسحق كل شيء.
تذكرت أمي وتذكرت نميم أم صديقي الكاتب والصحفي هاني الجنيد أمهاتنا نحن الكتاب الذين التهمتنا مخلفات العصور الرديئة وألقت بقايانا للمنافي التي نصارع فيها أنفسنا للخروج من عقلية الكاتب إلى العامل في عملية حياة شاقة تشبه سلخ جلد عن جسد.
ما الذي تفعله أمهاتنا وحيدات هناك في الوطن البعيد؟؟
أمي ترتب فراغات الوقت والمكان وأم هاني تفاخر وتطعم الزمان الفقيد لبنا طازجا من ثدي بقرتها الحلوب.
هاني المنفي واللاجئ الأخير من بين ٥٠٠ لاجئ يمني قدموا إلى كوريا الجنوبية قبل أكثر من عامين حيث تحول الجميع إلى عمال بمختلف المجالات وأنا منهم عدى هاني الذي يطلق علي دائما حارس الليل في كوريا مع أنني لم أستيقظ مبكرا على الدوام في حياتي كلها إلا هنا وبعد أن وجدت نفسي ذات صباح أعمل في طلاء الجدران مع معلمة طلاء كورية تجاوز عمرها السبعين عاما ولا تزال تعمل بحرفية تامة وكأنها تعلق ذكرياتها بإتقان على الجدران.
إنه مخاض صعب أن تتحول من كاتب أو صحفي إلى مهنة أخرى وأن تعمل بجسدك وعضلاتك أكثر من عقلك وتفكيرك.. استغرقني الأمر أربع سنوات حتى أصبحت كليا مستعدا وملتزما في العمل البدني المرهق كالمطاعم والمزارع وشركة الديكور.
لماذا يحدث ذلك؟
لأن مؤهلات بلادنا تلقى عرض الحائط 
بعيدا جدا أعود للحديث عن عقلية الكاتب التي لا يستطيع مغادرتها ليصبح شيء آخر حيث يمكن لكل كاتب أن يصبح قارئ فطن ولكن لا يمكن لأي قارئ أن يصبح كاتب.. الكاتب يرى في الحياة العامة كتاب مفتوح يقرأه لحظة بلحظة ويحوله إلى نصوص ومن هنا جائت هاني فكرة (الدهيج) حول كوريا ومناطقها وأحيائها والكتابة عنها أما القارئ فيرى بأنها الحياة ويتقبلها بعمق أو بسطحية فهمه لما يقرأ.
تعالوا سأخبركم قليلا عن مخاض التحول والذي لا يزال تطغى فيه علي حتى اللحظة عقلية الكاتب عندما بدأت العمل في أحد مطابخ المطاعم اليمنية في ماليزيا منذ أكثر من ثلاث سنوات كان عقلي بنسبة ١٠% في صحون الأرز وبنسبة ٩٠ % في القصائد والهواجس والرواية وغير ذلك من أفكار الثورة والمقاومة والحنين إلى الوطن.
طبعا النسبة لم تتقلص حتى اللحظة ولكنني تأقلمت ولا أزال أقوى على الكتابة متى ما عدت إليها كأب عاد إلى أطفاله وأتذكر أنني ذات مرة قلت بأنني أب لثلاث روايات وإبن عاق في الشعر.. نعم أنا تصرفت كأب جلف يرى مستقبل أبنائه في شدة سواعدهم ويعمل على تحويلهم إلى مكائن شرسة للعمل.
أما صديقي هاني فقد حاول مرارا وتكرارا وفشل ذلك لا يذكرني ببداياتي في التحول إطلاقا لأن شيء لم يتغير حتى اللحظة لا أزال أنا أنا إنما أعمل بقوة وتحدي للنفس لدرجة أنني أحيانا بدأت أشعر بأن لدي مؤهلات حمار.. لا شخص تعامل كأب جلف مع عقليته ككاتب.
صديقي هاني تعامل بالعكس مع كل ذلك كالأم الكورية التي هرعت في منتصف الليل لإدخال إبنتها من الشارع كنميم إذا ما غابت عن ناظرها البقرة وحنينها لهاني كأمي التي تحن لأبنائها الأربعة الموتى والأثنين المغترب في أمريكا والمنفي في كوريا.. نعم هاني تعامل مع عقلية الكاتب الخاصة به كأم يرفض أن يفارقها ما عاش او تنفس.. إنه يربي كل حرف ونص وكلمة يكتبها بنفسه كأم وحيدة لا حول لها ولا قوة لا يتحدث الكورية ولا حتى الإنجليزية كل ما لديه كلمات من هذه وتلك ولكنه أم عظيمة النصوص.. مؤخرا من الفراغ المحيط به بدأ يعد مواد صحفية من العدم الواقعي لكوريا التي لم تعترف سوى به وبي بحق اللجوء من بين ٥٠٠ لاجئ يمني ومنحت البقية حق الإقامة الإنسانية لمدة سنة قابلة للتجديد. 
هاني يقف الآن ربما في أحد شوارع كوريا ويصرخ في وجه أفكاره : نان أمااااااه.
وكلما أتصل بي وأنا أجيبه في العمل يقول لي.. رجاااال.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
كاريكاتير يجسد معاناة سكان تعز جراء الحصار
اتفاق استوكهولم
صلاة الحوثيين
الإغتيالات في عدن